عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

24

معارج التفكر ودقائق التدبر

والرسول منذر بعقاب اللّه الخالد في جهنّم بالنسبة إلى الكافرين ، ومنذر بعقاب دون ذلك بالنّسبة إلى عصاة المؤمنين . ويحسن بالمتدبّر أن يدرك ما في هذه العبارة بعد القسم بالقرآن المجيد ، من أداء كلاميّ بديع قائم على حذف ما يمكن أن يدرك باللّوازم الذهنيّة ، وبما تقتضيه الروابط الفكريّة واللّفظيّة ، على أنّ المكذّبين للرّسول والمكذّبين بيوم الدّين قد أدركوا برهان إعجاز القرآن ، فلم يقبلوا دلالته ، بل كذّبوا ، ولم يكن لهم دليل يصلح للاحتجاج به ، فلجؤوا إلى ادّعاء أنّ بشريّة الرّسول ، وإنذاره بعقاب اللّه يوم الدّين ، من الأمور المستبعدة المثيرة للعجب ، فاستخدموا التعجب للدلالة على أنّهم مكذّبون ، وعلى اعتباره دليلا صالحا للاحتجاج به ، مع أنّ التعجّب لا يتضمّن أيّ دليل مهما كان ضعيفا غير ادّعاء عدم الإمكان ، وتوهّمات لا تثبت أمام مناظرة إقناعيّة تعتمد على الاحتجاج بأدنى الحجج المنطقيّة . فَقالَ الْكافِرُونَ : الكافر : « اسم فاعل » من فعل « كفر يكفر كفرا وكفرانا » . ويقال لغة : كفر الشيء ، وكفر عليه كفرا ، أي : ستره وغطّاه ، وكفر التّراب ما تحته ، أي : غطّاه وستره ولهذا يقال للزّراع : كافر ، وتسمّي العرب الزّرّاع كفّارا ، لأنّهم يكفرون الحبّ المبذور بتراب الأرض . ويأتي الكفر في اللّغة بمعنى جحود النعمة ، وهو ضدّ الشكر . يقال : كفر بالنعمة إذا جحدها وسترها . فأصل الكفر في اللّغة تغطية الشيء تغطية تستهلكه ، فلا تبقى منه شيئا مكشوفا . والكفر بالدّين : هو موقف الرفض والجحود بعد معرفة الحقّ ببراهينه ، ويقوم على ستر الأدلّة التي تثبته ، بطرح الشبهات ، وإلقاء عبارات التعجّب ، وادّعاء أنّ الأمر غير مقبول عقلا ، والتشكيك في الأدلة الكثيرة ، إلى غير